شخصية بارزة في مجال الهندسة
شخصية عربية قديرة
لها الكثير من الفضل على الهندسة حاليا
هذه الشخصية اسمها
ثابت بن قرة
(211 -288هـ / 827 -900م)
ثابت بن قرة بن مروان بن ثابت بن إبراهيم بن كرّايا بن مارنيوس بن سلامانس، وفي رواية أخرى أن اسمه: "ثابت بن قرة بن مروان بن قيورا بن مارينون بن سلومون الحراني" ويعرف بالحراني، وكنيته أبو الحسن، الرياضي، الطبيب، عالم الطبيعة، الفلكي، الموسيقي، المترجم، ولد بمدينة حران على نهر البليخ أحد روافد نهر الفرات.
وكان التعليم الأولي في حران منذ الفتح الإسلامي بالمساجد والمدارس (الكتاتيب)، وكانت اللغة العربية لغة التعليم في المراحل الأولى، ودخل ثابت هذه المدارس، وتعلم بها اللغة، والشعر، والفقه، والحديث، وعلوم القرآن الكريم. وعندما أتم ثابت الخامسة عشرة من عمره، التحق بحلقات العلم في المسجد الجامع بحران - معبد شارا سابقا - ليتلقى تعليمه العالي على أيدي الأساتذة باللغتين السريانية واليونانية إلى جانب اللغة العربية، وتلقى بحلقات هذا المسجد دروس الفلسفة والرياضيات والفلك والمنطق والطب بهذه اللغات الثلاث، ودرس الكتب المعتمدة في العلوم البحتة، وهي كتب: أرسطو، وأفلاطون، وإقليدس، وجالينوس.
وقد تدرب ثابت على أيدي أساتذته بالمسجد الجامع على قراءة النصوص اليونانية والسريانية قراءة سليمة بلغة واضحة، وعلى التأكد من صحة نسبة هذه النصوص وعدم انتحالها، ثم تدرب على شرح النص والتعليق عليه بالاشتراك مع زملائه من الطلاب، ثم تدرب على نقل النصوص من السريانية أو اليونانية إلى العربية، في عمل جماعي مشترك. كانوا ينقلون فيه المعنى بحرية، ثم يصوغونه بألفاظهم الخاصة. وحين يصعب عليهم إيجاد لفظة عربية مقابلة للفظ اليوناني أو السرياني كان الأساتذة يسمحون لهم بإبقائه بلغته الأصلية إلى أن يجدوا له مشتقا يتناسب مع المعنى الجديد في اللغة العربية. كذلك تدرب ثابت على تنمية ملكة الحفظ عنده فهي عماد التعليم في ذلك الحين، فكان يحفظ الجوامع والملخصات التي وضعها المعلمون، ويقدم لها مع زملائه من الطلاب شروحا قد لا تكون هي شروح معلمي المسجد الجامع، الحريصين على إتاحة حرية البحث والتفكير لطلاب مرحلة الدراسة العليا.
وبرز ثابت بين أقرانه في المسجد الجامع الكبير، وتميز بعقليته الموسوعية في الفلسفة والرياضيات خاصة. وأجيز ثابت في العلم والتدريس، فصار له الحق في كشف أسرار العلم، وتفسير كتب أرسطو وأفلا طون وإقليدس وغيرهم. ودعي: صدّيقيا .
وتصدر ثابت للتدريس بالمسجد الجامع الكبير وهو في العشرين من عمره عام 230هـ - 844م وذاعت شهرته في ديار مضر شمالي الجزيرة (أرض الشمال بين نهري دجلة والفرات) . ومن الكتب التي درّسها ثابت بن قرة بالمسجد الجامع كتاب "المخروطات" لأبولونيوس الصوري، وكتاب "الإيقاع الهرموني" لأرستكسينوس التارنتي (عاش حوالي 350 ق.م) .
ومن الكتب التي درّسها ثابت بالمسجد الجامع الكبير في الطب كتب "جالينوس البرغامي" (عاش بين عامي 130-202 ق.م)، وكان ثابت يسميه الحكيم الفاضل، كما كان يعتمد حكمة أبقراط القائلة: "إن حفظ الصحة في دفع المرض بما يضاده". ومن الكتب التي درّسها ثابت في معهد المسجد الجامع كتب الفلسفة اليونانية، وبخاصة كتب أرسطو وأفلاطون وسقراط. وقد اتخذ ثابت في الفلسفة موقفا لم يرضَ عنه زملاؤه من الأساتذة. فقد أعلى ثابت من شأن الحرية العقلية، ومن هنا بدأ الخلاف بينه وبينهم، وقد استعْدَوا عليه السلطات العباسية الحاكمة في حران، ومع أن أكثر شباب حران العلماء كانوا مع ثابت، فقد زاد عليه ضغط الحياة، وقلت مساحة حريته في تدريسه بالمسجد الجامع، فاضطر ثابت بعد أربع سنوات أو خمس من قيامه بمهمة التدريس إلى الهرب إلى قرية "كفر توثا"، وهي قرية كبيرة تقع بين مدينتي رأس العين في الشرق وحران في الغرب بأرض الجزيرة.
وكان ثابت قد عمل بحران أرصادا لكتب بطليموس الفلكية، وترجم بعضها معتمدا على النصوص السريانية واليونانية، وشرح كتاب "الأصول" لإقليدس، وهو كتاب في الهندسة، ثم شرع في ترجمته، وتصدى للبرهنة على مسلمة إقليدس، وحاول تحويلها إلى نظرية "الخطين المتوازيين" في كتاب بعنوان: البرهان على أن الخطين المتوازيين إذا ضُبِطا على أقل من متوازيين مستقيمين التحما معا . وفي عام 234هـ - 848م غادر ثابت كفر توثا إلى مدينة الرقة ، وأنشأ بها ما يشبه أن يكون مدرسة عليا لتعليم الفلسفة والفلك والطب، وانتسب إلى هذه المدرسة أبناء الطوائف: الحرانية، المسيحية، اليهودية.
وكان من تلاميذه الحرانيين: ابناه: سنان وإبراهيم، وابن أخته البتاني ، وبنو الصباح الحرانية: محمد وإبراهيم والحسين وكانوا من حُذاق المترجمين وعلماء الهندسة، وقرة بن قُميطا، وأبو روح الصابئ، وإبراهيم بن زهرون قريب ثابت بن قرة، وأسيد بن عيسى وقد لحق بثابت فيما بعد ببغداد وساعده في الترجمة، وأيوب بن قاسم الرقيّ، وعثمان ابن عنبسة وقد صارا فيما بعد مترجمين مشهورين ببغداد، وكان من تلاميذه أبو الثناء الذي نبغ في الفلسفة والطب.
وحين ذاع صيت ثابت بن قرة في أرض الجزيرة، سعى إليه أولاد بني موسى ليترجم لهم في بغداد الكتب، ويصحح بعض ما كان تُرجم منها، ويصلح لهم أرصادهم بمرصد الشماسية ويشرح لهم الغامض من علم الحيل وعلوم الهندسة الأخرى.
التقى محمد بن موسى بن شاكر أكبر أبناء بني شاكر بثابت بن قرة في الرقة، وأخذه محمد معه إلى بلاد الروم البيزنطيين لجلب الكتب اليونانية، ثم أخذه معه إلى بغداد عام 251هـ - 865م في عهد الخليفة المستعين بالله.
وفي بغداد صار ثابت صديقا للوزير "ابن بلبل"، وكان الخليفة المعتمد (256 - 279هـ / 869 - 892م) قد غضب على أخيه "المعتضد بالله" وحبسه عند ابن بلبل، وكان ثابت يزوره في منزله ثلاث مرات يوميا، وأصبح ثابت صديقا للمعتضد وحين خرج المعتضد وتولى الخلافة عام 279هـ - 892م طلب ثابتا، وأدخله في جملة الفلكيين ببلاط الخلافة، وكان ثابت قد أصبح عالما موسوعيا صاحب فصاحة، بارعا في الترجمة، وفي تصنيف الكتب بالعربية والسريانية، ولأنه كان مبجلا عند المعتضد علت بفضله مكانة الحرانيين في أرض الجزيرة، فاستقرت أحوالهم بحضرة الخلفاء في حياة ثابت وبعدها. واعتاد المعتضد أن يسأل ثابتا أسئلة بحضور معلمه العالم الفيلسوف النابه السرخسي فيجيب عنها ثابت بأجوبة كانت تنال إعجاب المعتضد ومعلمه وجلسائه. وقد جمع ثابت تلك الأجوبة وصنع منها كتابا مؤلفا من جزأين في نحو مائتي ورقة وأسماه: إجابة في أمر الزمان .